حسن الأمين

114

مستدركات أعيان الشيعة

مقعدا « بالفعل » حين تتم صناعتها وتشكيلها . وكل فيلسوف يأخذ بفكرة قابلية تحول الأشياء بعضها إلى بعض فهو يأخذ تبعا لذلك بفكرة الوجود بالقوة والوجود بالفعل ، لأنك إذا قلت أن هذه ارض قد تتحول نباتا ، فقد قلت في الوقت نفسه أن النبات موجود في الأرض « بالقوة » وينتظر الظروف المواتية ليصبح نباتا موجودا « بالفعل » ، وكذلك الرجل الذي سيخرج من طفل ما ، موجود في الطفل « بالقوة » حتى إذا ما اكتمل الرجل تكوينا ، أصبح رجلا موجودا « بالفعل » وهكذا ، والفكرة الأساسية عند عالمنا الفيلسوف جابر بن حيان ، هي أن العناصر يتحول بعضها إلى بعض - كما سنذكر تفصيلا فيما بعد - فالنحاس - مثلا - قد يتحول بتدبير المدبر ذهبا ، ومعنى ذلك أن الذهب كان موجودا في النحاس « بالقوة » حتى إذا ما خرج منه أصبح الذهب موجودا « بالفعل » . ويشرح جابر هذين النوعين من الوجود ، بقوله : « الشيء الذي هو بالقوة هو الذي يمكن أن يكون وجوده في الزمان الآتي المستقبل ، كقيام القاعد وقعود القائم » ( 1 ) فالقاعد قاعد بالفعل لكنه قائم « بالقوة » لأن فيه استعدادا أو قدرة على أن يحيل قعوده قياما ، وكذلك القائم قائم بالفعل ، لكنه قاعد « بالقوة » لأن فيه استعدادا أو قدرة على أن يحيل قيامه قعودا ، ويمضي جابر في الشرح فيقول : « الشيء الذي بالقوة ، ما هو فيه هو الذي يمكن أن يأتي منه الشيء الذي بالفعل . . . كما نمثل لك أن الفضة التي لا فرق بينها وبين الذهب إلا الرزانة والصفرة يمكن أن تصير ذهبا ، فللفضة - بالقوة - أدنى قبول للرزانة حتى تصير في قوام الذهب ، ولها أدنى قبول للصفرة حتى تكون بلون الذهب ، ولو لم يكن ذلك لها بالقوة لم يتأت ذلك عنها في الفعل . . . وكما أن للنار أن تصير هواء بالقوة ، وللهواء أن يصير ماء بالقوة ، وللماء أن يصير أرضا بالقوة ، فللنار أن تصير أرضا بالقوة ، لأن » أ « إن كانت في بعض » ب « ، و » ب « في بعض » ج « ، و » ج « في بعض » د « ، ف » د « في بعض » أ « ضرورة ، » أ « في بعض » د « - هذا ما لا شك فيه ، وكذلك ما يستوعب الكليات إذا عكس هذا القول - لا عكسا منطقيا ، بل عكس التناقض والتقابل - فإنه يكون : ( أ ) في كل ( ب ) ، ( ب ) في كل ( ج ) ، ( ج ) في كل ( د ) ، ف ( أ ) - ضرورة - في كل ( د ) » ( 2 ) . أما الوجود بالفعل فيقول عنه جابر : « الشيء الذي بالفعل هو الموجود في الزمان الحاضر من سائر الأفعال الكائنة ، كقعود القاعد وقيام القائم » ( 3 ) - أي أن الموجود وجودا فعليا هو الشيء كما هو كائن في اللحظة الحاضرة ، فالقاعد قعوده يكون موجودا بالفعل ، والقائم قيامه يكون موجودا بالفعل ، وهكذا . ولا يكون الشيء موجودا بالفعل إلا إذا كان من قبل ذلك موجودا بالقوة ثم ظهر ، وهنا ينشأ هذا السؤال الهام : هل كل ما هو موجود بالقوة سيخرج حتما إلى وجود بالفعل ؟ أم أن من بينه ما هو خارج ، ومن بينه ما هو ممتنع الخروج ، وما هو ممكن الخروج ، فربما خرج إلى الفعل وربما لبث على كمونة ؟ . هذا سؤال هام لأنه يحدد مدى ما يستطيع العالم أن يتناوله بالتحويل في تجاربه العلمية ، حتى لا يحاول المستحيل ، وحتى لا ييأس مما هو ممكن ، وقد أجاب ابن حيان عن السؤال إجابة دقيقة شاملة موجزة ، إذ يقول إن الأشياء انقسمت قسمين : فهي أما بسيطة وأما مركبة ، على أن كل ما نراه في الطبيعة من أشياء هو من قبيل المركبات ، وتركيبها يكون على درجات : فمنها مركب أول ، ومنها مركب ثان ، ومنها مركب ثالث أو مركب المركب . فاما العناصر الأولية البسيطة فمحال أن يخرج كل ما فيها بالقوة إلى وجود بالفعل ، وذلك لأن العنصر البسيط هو بحكم بساطته هذه غير متناه ، وهو لذلك غير فان - فالذي يتناهى إلى حدود معينة ويجوز عليه الفساد والفناء هو المركب - فإذا كان أمر العنصر البسيط هو كما ذكرنا ، فليس كل ما فيه بالقوة خارجا إلى الفعل ، إذ لو حدث ذلك لصار إلى انتهاء ، وقد قلنا أنه غير متناه . وأما المركب : الأول والثاني والثالث ، فهو الذي يجوز عليه الخروج كله من القوة إلى الفعل ، فجميع ما في الطبيعة يمكن خروج كل ما فيه من حالة الكمون إلى حالة العلن ، أما ما يسمى بالمركب الأول ، فهو الطبيعة على إطلاقها ، وأما المركب الثاني فهو النار والهواء والأرض والماء ، وأما المركب الثالث - أي مركب المركب - فهو الأجناس الثلاثة : الحيوان والحجر والنبات ( 4 ) . فمتى يمتنع خروج كائن من كائن آخر ؟ يجيب جابر بقوله : « إن الأشياء التي يمتنع ويعسر خروجها من القوة إلى الفعل على ضربين ، إما أن يرام من الأشياء ما ليس فيها بالقوة . . . وإما أن يرام من الأشياء ما فيها بالقوة ولكن عسر خروجه إلى الفعل . . . كالذي يروم خروج الماء من النار من أول وهلة . » فان هذا ( أي الماء ) وإن كان لها ( أي للنار ) بالقوة ممتنع ، إلا أنهم عملوه على ترتيب . . . فاما أن يكون ذلك من أول وهلة فلا ، وكذلك القائم القاعد بالقوة ، ولكن بعد تقضي زمان القعود وانتهائه بحركة القاعد للقيام ، وحركة الإرادة ، وأمثال ذلك . « وإذ قد بان ذلك ، فان في الأشياء كلها وجودا للأشياء كلها ، ولكن على وجوه من الاستخراج ، فان النار في الحجر كامنة لا تظهر ، وهي له بالقوة ، فإذا زند أورى فظهرت ، وكذلك الشمع في النحل ، ولو أخذنا مائة ألف نحلة أو ألف كو نحل ، ثم عصرناها وطبخناها ودبرناها تدبيرنا للعسل الذي فيه الشمع ، لم يخرج منه دانق شمع ، ولكن النحل إذا تغذى غذاء معتدلا ، وعملت له الكوى التي يأوي إليها ، وعمل العسل ، واجتني ذلك العسل ، خرج منه الشمع » .

--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 2 . ( 2 ) نفس المرجع ، ص 3 . ( 3 ) نفس المرجع ، ص 3 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 4 - 5 .